حسن ابراهيم حسن
530
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
هذا إلى أن العنصر العربي نفسه لم يكن متحد الكلمة بسبب اشتعال العصبية القبلية التي حاول الإسلام القضاء عليها . وكان تفاقم روح العصبية في خراسان خاصة من أهم العوامل التي ساعدت على نجاح الدعوة العباسية على أيدي الموالى الذين سخطوا على الحكم العربي ، كما ساعدت اشتعال العصبية في الأندلس على قيام الدولة الأموية على يد عبد الرحمن الداخل الأموي في هذه البلاد . ومهما يكر من شئ فقد تمتع أهل الذمة ، وهم النصارى واليهود ، بالحرية الدينية فقد تركهم العرب يدينون بما رضوا لأنفسهم من دين على أن يدفعوا الجزية للمسلمين . ففي فارس نجد سكان المدن ، وخاصة الصناع وأصحاب الحرف يرحبون بالدين الإسلامي . وقد عامل العرب من ظل من الفرس على مذهبه القديم معاملة حسنة ، ولم يتعرضوا لأماكن عبادتهم . وكذلك كانت الحال في بلاد الشام ومصر : فقد خير العرب أهل الذمة بين الإسلام والبقاء على دينهم . فمن أسلم منهم تمتع بما يتمتع به المسلمون ، ومن بقي على دينه فرضت عليه الجزية كفاء حمايته وتأمينه على نفسه وعلى أولاده وأمواله . كما أحسن العرب معاملة أهل الذمة في بلاد الأندلس ، فسمحوا لليهود الذين ذاقوا كثيرا من ألوان العسف في عهد القوط بمزاولة التجارة وأمنوهم على أنفسهم وأولادهم وأموالهم ، وأحسنوا معاملة المسيحيين الذين تمسكوا بدينهم . وكان لسياسة التسامح الديني التي أظهرها العرب نحو أهالي هذه البلاد وغيرها أثر كبير في تحول كثير منهم إلى الإسلام . أما في مصر فإن العرب لما فتحوا هذه البلاد أصبح فيها ثلاثة عناصر من السكان : القبط وهم أهل البلاد الأصليون ، وكانوا يكونون السواد الأعظم من السكان ، والروم ، وهم بقايا الحكم الروماني الذي قضى عليه العرب . وكان الروم واليهود يكونون أقلية ضئيلة من السكان . أما العنصر الثالث وهو العنصر العربي ، فكان يتألف بعد الفتح من الجند العربي ومن القبائل العربية التي سحرتها طبيعة هذه البلاد . وقد بلغ جند العرب في مصر في عهد معاوية بن أبي سفيان أربعين ألفا ، ثم أخذ هذا العدد يزداد بسبب وفود نساء هؤلاء الجند وأولادهم ، واتخاذهم مصر